أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
168
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
لأنها لم تكن تقدر على الخلوة به في كل وقت ، أو يكون المعنى حسنت هيئتك ، و « لَكَ » متعلق بمحذوف على سبيل البيان ، كأنها قالت : القول لك أو الخطاب لك كهي في « سقيا لك ورعيا لك » . قلت : واللام متعلقة بمحذوف على كل قراءة إلا قراءة بيّنت فيها كونها فعلا ، فإنها حينئذ تتعلق بالفعل ، إذ لا حاجة إلى تقدير شيء آخر . وقال أبو البقاء : « والأشبه أن تكون الهمزة بدلا من الياء ، أو تكون لغة في الكلمة التي هي اسم للفعل ، وليست فعلا » ، لأن ذلك يوجب أن يكون الخطاب ليوسف - عليه السّلام - وهو فاسد لوجهين : أحدهما : أنه لم يتهيأ لها ، وإنما هي تهيأت له : والثاني : أنه قال : « لَكَ » ، ولو أراد الخطاب لقال : هيت لي . قلت : قد تقدم جوابه ، وقوله : « إنّ الهمزة بدل من الياء هذا عكس لغة العرب ، إذ قد عهدناهم يبدلون الهمزة الساكنة ياء إذا إنكسر ما قبلها نحو : بير وذيب ، ولا يقلبون الياء المكسور ما قبلها همزة ، نحو : ميل وديك ، وأيضا فإن غيره جعل الياء الصريحة مع كسر الهاء لقراءة نافع وابن ذكوان محتملة ، لأن تكون بدلا من الهمزة ، قالوا : فيعود الكلام فيها كالكلام في قراءة هشام ، واعلم أن القراءة التي استشكلها الفارسي هي المشهورة عن هشام ، وأما ضم الياء فغير مشهور عنه ، وهذا ما أتقنته في شرح حرز الأماني . قوله : مَعاذَ اللَّهِ منصوب على المصدر بفعل محذوف أي : أعوذ باللّه معاذا ، يقال : عاذ يعوذ عياذا وعياذة ، ومعاذا وعوذا . قال الشاعر : 2787 - معاذ الإله أن تكون كظبية * ولا دمية ولا عقيلة ربرب « 1 » قوله : إِنَّهُ يجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن ، وما بعده جملة خبرية له ، ومراده بربه سيده ، ويحتمل : أن تكون الهاء ضمير الباري تعالى ، و « رَبِّي » يحتمل : أن يكون خبرها و « أَحْسَنَ » جملة حالية لازمة ، وأن يكون مبتدأ ، و « أَحْسَنَ » جملة خبرية له ، والجملة خبر ل « إنّ » ، وقد أنكر جماعة الأول قاله مجاهد والسدي وابن أبي إسحاق ، يبعد جدا أن يطلق نبي كريم على مخلوق أنه ربه ، ولا بمعنى السيد ، لأنه ليس مملوكا في الحقيقة . وقرأ الجحدري وأبو الطّفيل « مثويّ » بقلب الألف « ياء » وإدغامها ك « بشرى » وهدى . و إِنَّهُ لا يُفْلِحُ هذه الهاء ضمير الشأن ليس إلّا . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 24 ] وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( 24 ) قوله : لَوْ لا أَنْ رَأى . جواب « لَوْ لا » إمّا متقدم ، وهو قوله : « وَهَمَّ بِها » عند من يجيز تقديم جواب الشرط عليها ، وإما محذوف لدلالة هذا عليه عند من لا يرى ذلك ، وقد تقدم تقرير المذهبين ، ومن عزيا إليه غير مرة كقولهم : « أنت ظالم إن فعلت » أي : إن فعلت فأنت ظالم ، ولا تقول : إنّ أنت « ظالم » هو الجواب ، بل دال عليه . وعلى هذا فالوقف عند قوله : « بُرْهانَ رَبِّهِ » ، والمعنى : لولا رؤيته برهان ربه لهم لكنه امتنع همه بها لوجود رؤية برهان ربه ، فلم يحصل منه
--> ( 1 ) تقدم .